معجزة مكة مركز الأرض
الخبل العلمي عند الإعجازيين المسلمين
أبو لهب
مقدمة:
تمثل أعمال الإعجازي ذائع الصيت د. زغلول النجار فضيحة فكرية مخزية، ونكبة حضارية من أدنى المستويات للعرب والمسلمين. ولا يزال هذا المتمعلم يتاجر بعقول ربات البيوت وبسطاء المسلمين بالتصيد المضحك-المبكي لكلمات اللغة العربية وتلبيسها التعسفي بمعان خيالية قل أن تجد مثلها في حكايات الخيال العلمي. وللأسف ، فإن هذه الظاهرة قد استغلت من جهات كثيرة ولأغراض مختلفة ، حتى تجد أن واجهات تدعي الحداثة ، مثل قناة الجزيرة العربية ، تروج لمهازل "الإعجاز العلمي" في القرآن والسنة. وكانت قناة الجزيرة قد نشرت مقابلة مع د. النجار ادعى فيها أن مدينة مكة تقع في المركز الجغرافي للأرض اليابسة ، ولا يزال هذا المقال منشورا في إرشيفها على الإنترنت. وللآن ينشر الدكتور النجار هذا الأدعاء على موقعه الخاص مع دعاية لبيع شريط كاسيت "يثبت" هذا الموضوع. وأطرف ما وجدت عن هذا الموضوع فتوى رسمية تذكر الموضوع بحيادية مريبة.
والعجيب أن هذا الإدعاء قد انتشر بين المسلمين دون أن يقدم مدعيه أي دليل علمي عليه. وقراءة تفصيلية للمقابلة الموجودة على رابط الجزيرة ، أو المقال المنشور في موقعه، تشير إلى أن د. النجار يطرح ادعاءه عن مركزية مكة الجغرافية وكأنه من المسلمات، ولا يوجد فيه إلا إدعائات سافرة يسترها بالخطاب الإسلامي الذي يبدو أن الغرض الحقيقي من استعماله هو فرض "منع التجول" على عقل القارئ وإبعاده عن التفكير النقدي العلمي لمثل هذه الإدعائات.
ويذكر د. نجار أن أول من ابتدع هذا الإدعاء المهندس د. حسين كمال الدين وتبعه إعجازي آخر باسم د. فاروق عبد البديع. ولقد قمت ببحث مضني في محاولة للحصول على النشرات "العلمية" التي تفصل إثبات أن مكة مركز الأرض ، ولكن للأسف لم يحالفني للآن النجاح. ولهذا فلم يبق أمامي إلا أن أحاول أن أحسب مركز سطح الأرض اليابسة بنفسي. وقبل أن أشرح الطريقة الذي سأتبعها في حساب مركز الأرض اليابسة سأشرح ببعض التفصيل أن نتائج هذه الحسابات تعتمد بشكل كلي على استعمال الخرائط المسطحة والتي تعتمد بدورها على تفاصيل الإسقاط الرياضي لشكل القارات من الهندسة الكروية إلى الهندسة المسطحة. وحتى لا يظن القارئ أن د. النجار قام شخصيا بعملية حسابية علمية لإيجاد مركز الأرض، أشير هنا أيضا إلى أني لم أجد أي نشره علمية أو شبه علمية أثبت بها هذا الرجل أن مكة مركز اليابسة.
بمقابل الكم الكبير من الأدبيات الإعجازية التي تدعي أن مكة مركز اليابسة ، هناك عدد قليل من المحاولات تتحدى هذا الإدعاء. وقد نشرت بعض المقالات في منتدى الملحدين العرب، ومنتدى اللادينين العرب، تسنتكر هذه المهزلة ، ولعل من أبرزها المقالة التي كتبها صاحب الإسم الرمزي Shrek والذي قام بمجهود كبير لدحض أكاذيب الأعجازيين ، وكانت نوعية مقاله الجيدة سببا رئيسيا في تأخري عن نشر هذه المقالة ، ولكني قررت أن أنشرها أخيرا بعد عثوري على الأرقام التي حسبها السيد ماك كولوم ولإهتدائي لتوليد الأسقاطات المختلفة لخرائط العالم باستعمال أحد برامج الرياضيات المشهورة.
قبل أن نبدأ في حساب المركز الجغرافي لليابسة على الأرض ، لا بد من أن نُعَرِّف بدقة ما الذي نعنيه عندما نقول أن نقطة ما تتوسط مساحة معينة، وسأتبني التعريف التالي:
مركز المساحة: هو معدل مواقع المساحات المكونة لها.
وقد علل فرانك بارمورFrank E. Barmore في مقالة نشرها تحت عنوان: مركز هنا ، مركز هناك ، مركز مركز في كل مكان (Center here, Center there, Center Center Everywhere) ، شرعية استخدام هذا التعريف . ما يلي ترجمة حرفية للفقرتين من مقالته اللاتي يبرر فيهما شرعية استخدام نظرية "مركز الكتلة" أو بنفس المعنى "مركز الجاذبية" لحساب مركز المساحة:
"تعريف المركز الجغرافي:
للإسف فإن هناك إختلاف حول تعريف المركز الجغرافي (مركز المساحة)، وتتراوح الآراء حول هذا الموضوع من اليأس التام من وجود أي حل مناسب، كما يعبر عن ذلك آدامز (1932 Adams) إلى الحماس عن وجود عدد غير متناهي من المراكز، كلها شرعية (بالرغم من عدم تساويها في الشعبية) كما يشرح المؤلف نفت (Neft 1966). بالنسبة لي فإني أقترح أن قراءة الأدبيات ستظهر وجود حل وسط ومقبول بين أوساط واسعة ، وعن وجود تعريف واحد للمركز الجغرافي. مركز أي انتشار لمجموعة من الأشياء هو معدل مواقع هذه الإشياء. ويتطابق هذا المعدل مع "مركز الجاذبية" أو "مركز التوازن" لإنتشار هذه الإشياء. في الفراغ الإقليدي ، يحسب معدل المواقع بسهول كبيرة عن طريق إيجاد مجموع متجهات الموقع مقسما بمجموع أثقالها (أهميتها) ( تعرف كل من هذه المتجهات بمقدار واتجاه لكل فرد من الاشياء قيد الدراسة). المركز المعرف بهذا الشكل له الخاصية الإضافية أن مجموع مربع المسافات للمكونات يكون أقل ما يمكن من ناحية رياضية. وهذا التعريف للمركز مناسب في الفضاء أحادي البعد، ثنائي الأبعاد، وثلاثي الأبعاد.
قبل حوالي قرن من الزمن، ناقش هايفورد (Hayford 1902) بنجاح أن معدل المواقع هو أنسب مركز جغرافي لها. وقد استخدم دي. آي. مندلييف (D. I. Mendeleev 1907) وصفة يمكن اشتقاقها من "نظرية مركز التوازن" (والتي اشتقها إبنه) لإيجاد المركز الجغرافي لتوزيع السكان في روسيا. ويقول ديتز (Deetz 1918) في مقالته (صفحة 57): أن المركز الجغرافي للولايات الأمريكية المتحدة يعتبر نقطة مشابهة لمركز الجاذبية لسطح كروي متساوي الوزن لكل وحدة مساحة وله شكل البلد الجغرافي ولهذا فإنه يمكن حسابه باستخدام نفس الطرق المستخدمة في حساب مركز الكتلة (مركز الجاذبية). وكل نشرات وكالة المساحة الأمريكية والتي رجعنا لها في المقدمة تستخدم "نقطة التوازن". وقد استخدمت وكالة الإحصاء الأميركية نظرية مركز الجاذبية أو مركز التوازن لتحديد مركز السكان في أمريكا (بارمور 1991)" نهاية الترجمة من مقالة فرانك بارمور.
من ناحية بديهية يمكن التوصل لمراكز الأشكال الهندسية المنتظمة بسهولة. فمثلا يعرف مركز المساحة الدائرية بأنه النقطة التي تبعد أبعادا متساوية (نصف القطر) عن محيط الدائرة ، ومركز المربع يقع على نقطة تقاطع قطريه ، وهذا صحيح لجميع الأشكال الهندسية الرباعية المتوازية الأطراف. وهناك طرق هندسية بسيطة لحساب المركز في الأشكال الهندسية المنتظمة الأخرى. شكل 1 يبين كيف نجد المركز الهندسي للمستطيل والذي يقع في نقطة تقاطع القطرين أو الخطين الزرقاوين المرسومين بين زواياه الأربعة. ولكن المشكلة الهندسية التي نحن بصددها تتطلب حساب مركز أشكال هندسية معقدة الشكل وغير متماثلة مثل القارات التي تتكون منها يابسة الأرض. وتتعقد المسألة كثيرا عندما نحاول أن نحلها عن طريق إسقاط سطح الأرض الكروي ثلاثي الأبعاد على السطح المستوي ثنائي الإبعاد.
شكل 1
تعريف مركز المساحة مثلما يتم تعريف مركز الكتلة (center of mass) في الفيزياء. المساحات المتامثلة في المساحة والشكل الهندسي لها نفس "العزم المساحي" عن مركز فريد . أشكال A, B باللون الأزرق الغامق تمثل كيفية حساب مركز مساحتين غير متطابقتين شكلا ومساحة باستخدام "معادلة عزم المساحات" كالتالي: مساحة المستطيل الأكبر × بعده عن المركز = مساحة المستطيل الأصغر × بعده عن المركز . وبعبارة أخرى: B× b = A× a. ومن ناحية عملية يمكن فهم أن مركز المساحتين A , B في الشكل عن طريق تخيل الخط الواصل بينهما بأنه ذراع ميزان . في هذا الحالة ستقع نقطة التوازن في موقع أقرب إلى المساحة A منه إلى المساحة B. ولهذا يسمى المركز أيضا بنقطة التوازن.
بداية نشير إلى أنه يمكن أن نجد مركز مساحتين هندسيتين متطابقتين شكلا ومساحة بسهولة، وذلك بأن نمد خطا بين مركزيهما الهندسيين ، ثم نعين مركزهما في منتصف هذا الخط. فمثلا شكل 1 يحوي شكلين أهليلجيين متطابقين شكلا ومساحة (باللون الأحمر) ، وعليه يكون مركز المساحتين في منتصف الخط الفاصل بينهما. ونفس الحالة في شكل 1 تنطبق على النجمتين المرسموتين باللون الأخضر. في الشكل أيضا تم رسم مستطيلين باللون الأزرق الغامق بحيث تبلغ مساحة المستطيل الأيمن ضعف مساحة المستطيل الأيسر. بالنسبة لهذين الشكلين، فإن مركز المساحة بينهما يقع أقرب للمستطيل الأكبر منه إلى المستطيل الأصغر وتكون طريقة حساب مركز المساحتين الرياضي باستخدام المعادلة التالية :
B × b = A × a
في هذه المعادلة ، ترمز A إلى مساحة المستطيل الأكبر، وترمزa إلى بعده عن مركز المساحة ، وكذلك الأمر بالنسبة ل B و b .
من المهم أن أعود وأؤكد هنا أنني سأستخدم نظرية مركز الكتلة (center of mass) والمستخدمة في فيزياء الأجسام الصلبة. استخدام هذه النظرية في حساب المركز الجغرافي لمساحة الأرض اليابسة ليس له معنى فيزيائي وليس له علاقة بأي ظاهرة فيزيائية، ولكني أقوم هنا باستعارة هذه النظرية لا غير. أما مركز الأرض الفيزيائي المعترف به علميا فهو مركز ثقلها، أو مركز كتلتها، ويقع في المركز الهندسي للكرة الأرضية أي أنه يقع في جوف الأرض على عمق حوالي 6,372 كيلو مترا من أي نقطة على سطحها (تقريبا لأن الأرض ليست كرة تامة بسبب تفلطحها البسيط عن خط الإستواء). ويستخدم موقع هذا المركز في أي حسابات تتعلق بجاذبية الأرض ، وحساب مدارها ، ومدار القمر ، والكثير من الحسابات الأخرى، أما حساب مركز سطح الأرض اليابسة فلم يفكر في حسابه وربطة بالأمور الكونية إلا "المتمعلمون" المسلمون وليس له علاقة إلا بمحاولة التهرب من تخلف المسلمين في العلوم الحقيقية بالتعويض عن الخوض في علوم الغيبيات السخيفة.
بالنسبة لي ، فإني لا أرى أن هناك أي نص من القرآن أو السنة يدعي أن مكة مركز سطح الأرض الجغرافي، ولهذا فإني أجهد نفسي للبحث في هذا المقال للرد على خزعبلات أناس مدعين للعلم ، ويتجاروا بعواطف المسلمين وبالإسلام من أجل مكاسبهم الشخصية. ومن الأمور المحزنة حقا أنه لم يتصدى لهم للآن أي من العلماء العرب المتخصصين في الجغرافيا وعلوم الأرض لفضح أكاذيبهم ، وأعتقد أن لأدوات القمع الإسلامي للفكر الحر، الفضل الكبير في تحييد هؤلاء العلماء ومنعهم من فضح الدكتور زغلول النجار وأمثاله.
بشكل عام يتم حساب مركز الكتلة في الفيزياء حسب المعادلة التالية:
وترمز المتجهة (vector) R إلى موقع مركز مجموع الكتلة ، والمتجهات ri إلى مركز الكتل الأجزاء المكونة لها. وكمثال على ذلك نذكر شظايا القنبلة التي تتفجر في الجو، فلكل شظية متجهة رياضية "ri" تحدد موقعها كجسم مستقل، أما مركز كتلتها الذي يستخدم لحساب مسار الشظايا ككل فهو المتجهة R . لكلمة "المتجهة" حضور كبير في الفيزياء وتستخدم في حساب كميات مختلفة في علوم الكهرباء والمغناطيسية والجاذبية. وفي مجال حساب المسافة يعطى موقع الجسم المتحرك في الفضاء مسافة تعبر عن بعده عن مركز الإحداثيات واتجاه محدد ويطلق على هاتين الكميتين أسم متجهة أو (vector). بشكل عام المتجهات في المعادلة أعلاه ثلاثية الأبعاد وتتبع الهندسة الإقليدية ثلاثية الأبعاد، ولهذا فإن تطبيق هذه المعادلة على المساحات الواقعة على سطح الأرض الكروي سينتج مركزا لها في باطن الأرض كما سنرى لاحقا. أما على سطح الكرة الأرضية، فإنه يتوجب أن نستخدم "متجهات جيودسكية" أي خطوط مستقيمة تتبع سطح الكرة الأرضية. فمثلا لو مشى إنسان على طول خط الإستواء لظهر له أنه يمشي على خط مستقيم مع أنه في الحقيقة يعتبر مستقيما فقط من ناحية أتباعه لسطح الأرض المتحدب ، أما لو لاحظه شخص آخر من الفضاء لرأى أن مساره يتحدب مع سطح الأرض الكروي. من أهم النقاط التي يجب ذكرها عند بحث المعادلة أعلاه ، أنها تخضع لواحد من أهم قوانين الفيزياء والقائل بأن أي ظاهرة فيزيائية يجب أن تكون مستقلة عن نظام الإحداثيات المستخدم لقياسها. بكلمات أخرى، فإن مركز الكتلة مستقل عن نظام الإحداثيات المستخدم للتعبير عن المتجهات R, r المستخدمة في المعادلة أعلاه.
وقبل أن نشرح كيف سنقوم بالحسابات لمركز اليابسة على سطح الأرض الكروي ، هناك ضرورة ملحة توجبنا أن نشرح الخطأ الفادح الذي يغش به د. النجار العرب والمسلمين. ونقول يغش لأنه ، مع كل الشهادات والكفائات التي يحملها، فإنه لا بد أنه يعلم كل الحقائق التي نسرد هنا.
حساب مركز الأرض من الخرائط المسطحة:
تشير صياغة جميع الأدبيات التي قرأتها وكلها منشورة على الإنترنت ، أن الدكتور الراحل حسين كمال الدين استخدم الخرائط المسطحة لإثبات نظريته عن مركزية مكة للأرض اليابسة. وحتى أن لم يكن هذا صحيحا، فإن فكرة المركزية هذه المنشورة في مواقع الإعجاز والمواقع الحداثية مثل الجزيرة تنحو هذا المنحى، أي حساب مركز اليابسة من الخرائط المسطحة. وللتأكد من هذا يمكن مراجعة حديث د. النجار في مقابلته مع الجزيرة المذكورة أعلاه ، وأيضا مراجعة موقعه الخاص الذي يدعي فيه أنه يثبت مركزية مكة عن طريق تحرك القارات! لهذا السبب، نجد أن هناك ضرورة ملحة لشرح حساب مركز سطح الأرض اليابسة عن طريق استخدام الخرائط المسطحة. وسنثبت للقارئ، باستخدام بعض الأمثلة، أن هناك عددا لا يحصى من المراكز والتي تعتمد على نقطة انتقاء مركز الإحداثيات المستخدم لإجراء هذه الحسابات. بكلمات أخرى، فإنه حتى لو أثبت الدكتور النجار أن مكة تقع في مركز اليابسة، فإن هذا الإثبات ليس له أي أفضلية على أي مركز آخر. من ناحية نظرية بحتة لا أعلم إن كان هناك طريقة لإثبات ان أي نقطة على سطح الأرض يمكن أن تكون مركزا لليابسة عن طريق إختيار مركز إحداثيات مناسب لها.
جميع الخرائط في العالم والمرسومة على أي سطح ثنائي الأبعاد ، مثل ورق الكتب ولوحات الخرائط في المدارس والخرائط العسكرية والخرائط التي يمكن إظهارها على شاشات الحواسب ليست إلا أسقاطا رياضيا لشكل الأرض الكروي ثلاثي الأبعاد وتحويله لشكل مستوي. ولا شك أن هذه العملية تسهل التعامل مع هذه الخرائط من نواح كثيرة . ولكن أسقاط الخرائط ثلاثية الأبعاد على مسطح مستوي يعاني من مشكلتين أساسيتين لا يمكن التخلص منهما:
1- تشوية الشكل الهندسي الحقيقي للمساحة الجغرافية:
جميع عمليات إسقاط شكل خارطة اليابسة على الكرة الأرضية وتحويله إلى شكل مسطح، تدخل تشويها معينا لا يمكن من ناحية نظرية أو عملية تفاديه. وقد اخترع علماء الجغرافيا والرياضيات طرقا مختلفة لنقل شكل القارات والمساحات الجغرافية من شكلها الطبيعي الكروي إلى الشكل المسطح. ويمكن القيام بتجربة بسيطة للمساعدة في تخيل هذا التشويه بأن نرسم خارطة للجزيرة العربية (على سبيل المثال) على سطح بالون مطاطي كروي وهو في حالة نفخ ، ثم قصه بقصة مستقيمة من قطب إلى قطب. بعدها نقوم بفرشه على مسطح مستغلين خاصية المطاطية للبالون. هذه التجربة البسيطة يمكن أن تثبت أن عملية تحويل السطح من كروي إلى مسطح تدخل تشويها كبيرا على الخارطة المرسومة. وقد قام علماء الجغرافيا والرياضيون بدراسة أثر التشويه لجميع أنواع الإسقاط من الكروي إلى المسطح ونشروها في آلاف النشرات. شكل 2 يوضح عملية نقل الخرائط من خرائط ثلاثية الأبعاد إلى خرائط ثنائية الأبعاد عن طريق استخدام "إسقاط ميركاتر" Mercator ويعتبر هذا الإسقاط أقدمها .
شكل 2
إسقاط سطح الكرة الأرضية الكروي على مسطح ثنائي الأبعاد. يحدث هذا الإسقاط تشويهات كبيرة كلما اتجهنا شمالا.
ولأن قيود طول المقال لن تسمح بدراسة تفصيلية لعملية الاسقاط ، وأهم من هذا لأن التشويه الحاصل من عملية الأسقاط على تحديد مركز الأرض الجغرافي ، يمكن معالجته بالنسبة للأهمية الحاسمة لوجهة النظر أو الإطار المرجعي (Frame of Reference) التي يتم منها الأسقاط ، وهو الأثر الذي سنشرحه في النقطة التالية ، أكتفي هنا بتوجيه القارئ المهتم للتوسع بهذا الموضوع للرابط المثبت في تعليق شكل 2.
2- إسقاط خريطة الأرض الكروية إلى خريطة مسطحة يعتمد على وجهة النظر:
بما أن الأرض كروية، فإنه يمكن النظر إليها من عدد غير متناهي من الأماكن. ولهذا فإن نتيجة عملية أسقاط خرائط الأرض الكروية تعتمد اعتمادا كليا على وجهة النظر (سأسمي وجهة النظر من الآن فصاعدا بمركز الإحداثيات) التي تسقط منها الخريطة. فمثلا يفضل الأمريكان إسقط خرائط العالم من نقطة تقع مباشرة فوق خط الأستواء وفي جنوب أمريكا الشمالية. بينما يعتمد معظم العالم على خرائط تعتمد نقطة تقاطع خط الإستواء مع خط غرينتش كمركز للإحداثيات الكروية. ويبدو أن هذا الأسقاط هو الذي خيل للدكتور زغلول النجار ومن جاراه في مهزلته على أن مكة تقع في مركز الأرض الجغرافي.
الأشكال التالية توضح النقطتين المذكورتين أعلاه من ناحية بيان التشويه الحاصل نتيجة لعمليات الأسقاط المختلفة ونتيجة لاختيار نقاط مختلفة لعمليات الإسقاط. وقد قمت برسم هذه الخرائط باستخدام برنامج Mathematica الذي يوفر فاعليه سهلة للقيام بعدد لا بأس به من طرق الأسقاط ، إضافة إلى تمكين المستعمل من فرض أي وجهة نظر لحساب هذه العملية. تصنيف الألوان كان عشوائيا ولم أحاول أن أتحكم به لعدم أهميته.
شكل 3
أسقاط ميركاتر التقليدي من فوق نقطة تقاطع خط الأستواء مع غرينتش. يتميز هذا الإسقاط بأنه يحافظ على الشكل والأتجاهات عند استخدامه لإسقاط مساحات صغيرة من الأرض. لاحظ التشويه الكبير الذي يحدث لغرينلاند والقارة المتجمدة الجنوبية. ففي هذه الخارطة تبدو غرينلاند وكأن لها نفس مساحة أستراليا مع أن مساحة غرينلاند تبلغ حوالي مليوني كيلومتر بينما تبلغ مساحة أستراليا حوالي ثمانية ملايين ونصف مليون كيلومتر. وأيضا التكبير الهائل للقارة المتجمدة الجنوبية. وهذه الخارطة التقليدية هي التي يبدو أنها أوحت للدكتور النجار أن مكة مركز الأرض.
شكل 4
نفس عملية الإسقاط المستخدمة في شكل 3 ولكن بعد لف الأرض حول محور جنوب-شمال بمائة وعشر درجات بالنسبة لمحورها الأساسي. لاحظ أن الجزيرة العربية تقع الآن في الجزء الأيمن من الخارطة ولا يمكن بأي حال تخيل أنها في مركز الأرض الجغرافي. يمكن من هذه الصورة تخيل أن مركز الأرض يقع في نقطة في المحيط الهادي جنوب المكسيك. من المهم جدا ملاحظة أن استخدام مركز إحداثيات جديد للإسقاط في هذه الخارطة اعاد توزيع المساحات عليها وهذا بدوره يؤثر بشكل كبير على المركز الجغرافي وهذا يخالف الضرورة الأساسية لأي مركز وهو وجوب استقلاله التام عن وجهة نظر الملاحظ.
شكل 5
إسقاط ميركاتر Mercator كما في شكل 3 وشكل 4 ولكن بعد عملية لف لنقطة الإسقاط لتضع الجزيرة العربية وكأنها في مركز الأرض الجغرافي. لاحظ كيف أعاد الإسقاط الجديد توزيع المساحات على سطح الخارطة فمثلا قسمت القارة المتجمدة الجنوبية إلى قسمين . هذا الإسقاط بالفعل يخدع الناظر للإعتقاد أن مكة مركز الأرض اليابسة.
شكل 6
إ